القرطبي

305

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( تلك آيات الكتاب الحكيم ) ابتداء وخبر ، أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم . قال مجاهد وقتادة : أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، فإن " تلك " إشارة إلى غائب مؤنث . وقيل : " تلك " بمعنى هذه ، أي هذه آيات الكتاب الحكيم . ومنه قول الأعشى : تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب أي هذه خيلي . والمراد القرآن وهو أولى بالصواب ، لأنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر ، ولأن " الحكيم " من نعت القرآن . دليله قوله تعالى : " الر كتاب أحكمت آياته " ( 1 ) [ هود : 1 ] وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة " البقرة " ( 2 ) . والحكيم : المحكم بالحلال والحرام والحدود والاحكام ، قاله أبو عبيدة وغيره . وقيل : الحكيم بمعنى الحاكم ، أي إنه حاكم بالحلال والحرام ، وحاكم بين الناس بالحق ، فعيل بمعنى فاعل . دليله قوله : " وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " ( 3 ) [ البقرة : 213 ] . وقيل : الحكيم بمعنى المحكوم فيه ، أي حكم الله فيه بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى ، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر ، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه ، فهو فعيل بمعنى المفعول ، قاله الحسن وغيره . وقال مقاتل : الحكيم بمعنى المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف ، فعيل بمعنى مفعل ، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها : وغريبة تأتي الملوك حكيمة * قد قلتها ليقال من ذا قالها قوله تعالى : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ( 2 )

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 2 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 157 وما بعدها . ( 3 ) راجع ج 3 ص 30 .